طاهر سليمان حموده

145

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

على أن إحساس السيوطي بتنوع معارفه وبلوغه درجة الاجتهاد في بعض العلوم ، وإحساسه أن ذلك لم يحدث لأحد من أبناء زمانه فمنهم من بلغ درجة كبيرة في الفقه أو في العربية أو في علم من العلوم ، ولكن اجتماع هذه العلوم على سبيل التبحر لدى أحدهم غير كائن ، هذا الاحساس قد جعله يستشعر في قرارة نفسه أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة ووجد الرجل نفسه وقد جاوز الخمسين من عمره وحصل من العلوم جملة كبيرة ، وبلغ ما لم يبلغه أحد ، ورأى أنه قد جاوز أقرانه وبذّهم جميعا ، وهنا وقف يعلن أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة . فكرة المبعوثية : ويبدو أن الرجل كان يعرف أن هذه الفكرة قد تقابل ببعض الأفكار ، ولذلك أكدها في كثير من كتاباته فهو يبدأ كتابه « الدر النثير الذي لخص فيه نهاية ابن الأثير » قائلا : « الحمد للّه الذي بعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها وأقام في كل عصر من يحوط هذه الملة بتشييد أركانها وتأييد سننها وتثبيتها » « 1 » . وكان عليه أن يثبت صحة هذه الفكرة عن طريق السنة وأن يقنع الناس بذلك ، ثم عليه بعد ذلك أن يقنعهم بأنه المبعوث على رأس المائة التاسعة . وبداية هذه الفكرة في كتاباته نلحظها في ترجمته لسراج الدين البلقيني ( المتوفي 805 ه ) والد علم الدين ، إذ نقل أن السراج البلقيني مجدد المائة الثامنة ، ثم ذكر أن كثيرا من المبعوثين على رؤوس القرون مصريون : عمر بن عبد العزيز في الأولى ، والشافعي في الثانية . . وابن دقيق العيد في السابعة ، والبلقيني في الثامنة ، ثم أتبع ذلك بقوله « وعسى أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة من أهل مصر » « 2 » ، وهنا نلاحظ أنه كان يمهد لفكرته ، ويرجو أن يكون هو المبعوث على رأس قرنه ، ونلاحظ أنه وضع ترجمته بعد ترجمة البلقيني مباشرة

--> ( 1 ) الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير : المقدمة . ( 2 ) حسن المحاضرة ج 2 ص 183 .